عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
131
اللباب في علوم الكتاب
الأعراف ينادون رجالا من أهل النار ، فاستغنى عن ذكر النار ؛ لأنّ الكلام المذكور لا يليق إلا بهم ، وهو قولهم : « ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ » . قوله : « ما أغنى » يجوز أن تكون استفهامية للتوبيخ والتقريع ، وهو الظاهر ، ويجوز أن تكون نافية . وقوله : « وَما كُنْتُمْ » « ما » مصدرية لينسق مصدر على مثله أي : ما أغنى عنكم جمعكم المال والاجتماع والكثرة وكونكم مستكبرين عن قبول الحقّ ، أو استكباركم على الناس . وقرىء « 1 » « تستكثرون » بثاء مثلثة من الكثرة . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 49 ] أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ( 49 ) يجوز في هذه الجملة وجهان : أحدهما : أنّها في محلّ نصب بالقول المتقدّم أي : قالوا : ما أغنى ، وقالوا : أهؤلاء الذين أقسمتم زيادة تبكيت . والثاني : أن تكون جملة مستقلّة غير داخلة في حيّز القول ، والمشار إليهم على القول الأوّل هم أهل الجنّة ، والقائلون ذلك هم أهل الأعراف ، والمقول لهم هم أهل النّار . [ والمعنى : وقال أهل الأعراف لأهل النّار ] : أهؤلاء الذين في الجنّة اليوم هم الذين كنتم تحلفون أنّهم لا يدخلون الجنة برحمة اللّه وفضله ، ادخلوا الجنّة أي : قالوا لهم ، أو قيل لهم : ادخلوا الجنة . وأمّا على القول الثّاني وهو الاستئناف ، فاختلف في المشار إليه ، فقيل : هم أهل الأعراف ، والقائل ذلك ملك يأمره اللّه بهذا القول ، والمقول له هم أهل النّار . وقيل : المشار إليهم هم أهل الجنّة ، والقائل هم الملائكة ، والمقول لهم هم أهل النار . وقيل : المشار إليهم هم أهل الأعراف [ وهم القائلون ذلك أيضا ، والمقول لهم الكفّار . وقوله : « ادْخُلُوا الْجَنَّةَ » من قول أهل الأعراف أيضا ] أي : يرجعون فيخاطب بعضهم بعضا ، [ فيقولون : ادخلوا الجنّة ] . قال ابن الأنباري : إن قوله : « أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ » من كلام أصحاب الأعراف ، وقوله : « ادخلوا » من كلام اللّه تعالى ، وذلك على إضمار قول أي : فقال لهم اللّه : أدخلوه ونظيره قوله تعالى : يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ [ الشعراء :
--> ( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 108 ، والمحرر الوجيز 2 / 405 ، والبحر المحيط 4 / 306 ، والدر المصون 3 / 276 .